أشرت فى المقال السابق إلى نجاح قناة الجزيرة فى جذب ملايين المشاهدين فى جميع الدول العربية، وهذا النجاح نتيجة طبيعية لاقتحام القناة جميع المناطق المحظور تداولها فى وسائل إعلام الدول العربية التى تعانى من قيود ثقيلة على حرية التعبير.
وأدرك مهندس السياسة القطرية الشيخ حمد بن جبر بن جاسم صاحب القناة ووزير الخارجية (ورئيس الوزراء حاليًا)، أن بإمكانه استخدام هذه القوة الإعلامية لانتزاع دور مؤثر لإمارة قطر فى القضايا العربية اعتمادًا على قبول أنظمة الحكم العربية لممارسة قطر لهذا الدور تحت وطأة التلويح باستخدام سلاح الإعلام (الجزيرة) لفضح المزيد من الممارسات القمعية لهذه الأنظمة.
(1)
ولايستطيع الباحث الموضوعى أن يتناول هذا الدور القطرى السياسى والإعلامى بمعزل عن المخططات الأمريكية لإعادة النظر فى سياساتها تجاه أنظمة الحكم العربية والرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة العربية مع الأخذ فى الاعتبار تقدير مهندس السياسة القطرية الشيخ حمد بن جبر رئيس الوزراء لخطوط حمراء لايستطيع أن يجازف بالاقتراب منها وهذه الخطوط الحمراء تحكمها العوامل الجغرافية والبشرية.
أولاً: دول الجوار وفى مقدمتها السعودية التى لاتسمح تحت أى ظرف بالاقتراب بمجرد النقد من الأسرة الحاكمة، والتى لاتتردد فى الرد بكل عنف إعلاميًا (لديها ترسانة إعلامية هائلة) بل وعسكريًا فى بعض الحالات (سبق واجتاحت القوات السعودية مخفر الحفوس القطرى الحدودى) واحتضان قوى المعارضة القطرية ومنهم أبناء الأمير المخلوع الشيخ خليفة، إخوة الأمير الحالى. وأيضًا دولة الإمارات وظروفها إلى حد كبير تشبه ظروف السعودية (سبق وتحركت منها قوة لإسقاط الحكم الحالى بقيادة بعض رجال الحاكم السابق الشيخ خليفة)، أما دولة الجوار الثالثة وهى البحرين فالعلاقة معها معقدة ويحتاج الاقتراب من مهاجمتها - رغم خلافات حدودية - إلى حسابات كثيرة للحفاظ على استمرار حكم الأسرة الحاكمة السنية العربية لبلد أغلبية مواطنيه من الشيعه مع وجود شبح إيران طوال الوقت فى المشهد السياسى البحرينى.
من يتابع قناة الجزيرة يكتشف بسهولة حرص القناة على عدم الاقتراب بالنقد الحاد من هذه الدول الثلاث، رغم أن نظم الحكم بهذه الدول أنظمة تفوق فى قمع شعوبها كل الدول العربية الأخرى.
ثانيًا: دول مشمولة برعاية أمريكية، والدول الثلاث التى أشرت إليها سابقًا تدخل ضمن هذه الدول (بالإضافة لأوضاعها الخاصة التى أشرت إليها) والرعاية الأمريكية ليست ثابتة أو دائمة لكنها تتغير نتيجة لأهداف السياسة الأمريكية، وكانت سوريا وبعض دول الشمال الأفريقى تحميها من الحملات الإعلامية القطرية «المظلة الأمريكية»، ومن يراجع أداء قناة الجزيرة قبل أن تقرر أمريكا تغيير سياساتها فى المنطقة يستطيع أن يكتشف بوضوح أن قطر لاتستخدم سلاحها الإعلامى (الجزيرة) بطريقة فعالة ضد أنظمة الحكم فى هذه الدول.
(2)
بدأ مهندسو السياسة الأمريكية منذ سنوات فى مراجعة جدوى مساندة أمريكا لأنظمة الحكم العربية القمعية، وعندما تأكدت أمريكا أن «الاستقرار» الظاهرى الذى تحققه هذه الأنظمة ويصب فى مصلحة أمريكا، ورصدت مؤسسات صنع القرار الأمريكية تنامى قوة حركات الإسلام السياسى بهذه الدول بدأت هذه المؤسسات فى وضع خطط جديدة تعتمد على التخلى عن حماية بعض الأنظمة القمعية، خاصة بعد أن استنفدت هذه الأنظمة الاغراض التى دفعت أمريكا لحمايتها، وفى مقدمة هذه الأنظمة نظام الحكم فى مصر (أدى دوره فى حروب أمريكا ضد أفغانستان والعراق وكرس لعلاقات اقتصادية مع إسرائيل وفتح أكبر ثغرة فى جدار المقاطعة العربية لإسرائيل). ومن الواضح أن مهندسى السياسة الأمريكية اقتنعوا بأن تيارات الإسلام السياسى، التى تمثل فى كثير من البلاد العربية قوة معارضة لأنظمة الحكم التى تطاردها بعنف، يمكن أن تكون البديل المناسب لأنظمة الحكم القمعية وأن باستطاعتها إذا وصلت لمواقع السلطة أن تحقق قدرًا أكبر من «الاستقرار» وسيكون هذا الاستقرار أكثر ثباتًا لأنه سيعتمد على قاعدة جماهيرية مقتنعة بتوفير هذا الاستقرار استجابة لقيادة تمثلها.
(3)
بدأ تنفيذ هذا التوجه باستخدام «القوة الإعلامية» التى حازت ثقة الجماهير وهى قناة الجزيرة، وتوافقت المصالح الأمريكية مع طموحات نظام الحكم القطرى المتطلع لمزيد من النفوذ عربيًا وإقليميًا.
ومع تراكم الغضب والاحتقان الشعبى فى العديد من الدول العربية واصلت «الجزيرة» قصفها الإعلامى العنيف ضد أنظمة الحكم العربية وخاصة نظام الحكم فى مصر باعتبار أن النجاح فى إزاحة نظام الحكم فى مصر وتمكين نظام حكم له توجه إسلامى سوف يفتح الطريق لتغييرات مماثلة فى العديد من الدول العربية الأخرى.
واشتد ساعد قوى المعارضة فى مصر وعدد من البلاد العربية استناداً إلى مظلة إعلامية قوية «قناة الجزيرة» وعدد من القنوات الفضائية الخاصة التى استغلت مناخ الحرية النسبى فى عهد مبارك وساندت بقوة نسبية فى دعم حركات الاحتجاج والمعارضة فى مصر، ولم يقتصر تأثير قناة الجزيرة والفضائيات المصرية الخاصة، وبعض الفضائيات التى أطلقتها قوى المعارضة العربية المختلفة من لندن، على دعم المعارضة فى مصر بل إن هذه القنوات قدمت دعماً هائلاً لجميع حركات المقاومة العربية فى جميع البلاد العربية.
وجاءت المفاجأة عندما جاءت الخطوة الأولى للإطاحة بالأنظمة القمعية من تونس وسارعت قناة الجزيرة منذ اللحظة الأولى لثورة تونس بتقديم بث مباشر على مدار الأربع وعشرين ساعة وتابع الملايين من الجماهير العربية فى جميع البلاد العربية فعاليات الثورة التونسية بحماس بالغ وتأييد قوى للثوار التونسيين، وعندما نجحت ثورة تونس فى الإطاحة بالرئيس زين العابدين على تصاعدت موجات الأمل لدى العديد من الشعوب العربية فى الإطاحة بأنظمة الحكم التى بدأت تواجه المعارضين بمزيد من البطش، وكان الشعب المصرى فى مقدمة الشعوب التى تحركت للإطاحة بنظام حكم مبارك وعندما أحكم نظام مبارك قبضته الحديدية على الفضائيات الخاصة والإعلام الرسمى كانت «قناة الجزيرة» تنقل ببث مباشر تصاعد حركات المعارضة والاحتجاج فى مختلف شوارع مصر وكان لهذا البث المباشر أثره فى دعم الثوار حتى تمكنوا من خلع مبارك.
وواصلت قناة «الجزيرة» نفس النهج فى ليبيا واليمن وتمارس نفس النهج الآن فى سوريا، وأضافت قطر إلى الدعم الإعلامى لثورة ليبيا دعماً مادياً ودعماً عسكرياً وإن كان رمزيا إلا أن قطر استثمرت هذا الدعم لتقوية نفوذها السياسى، بل والاقتصادى فى جميع البلاد العربية التى تمكنت فيها ثورات الشعوب من الإطاحة بأنظمة الحكم القمعية، وساندت قطر بترسانة إعلامها وبفوائض الأموال الهائلة المتراكمة لديها حركات الإسلام السياسى فى سعيها للوصول إلى السلطة فى هذه البلاد.
وحققت قطر الكثير من طموحاتها السياسية وهى تسعى لتحصل على مقابل دعمها الإعلامى والسياسى والمادى لبعض فصائل المقاومة فى دول الربيع العربى، وفى نفس الوقت تتطلع بطبيعة الحال للحصول على مقابل سياسى إضافى من الولايات المتحدة الأمريكية نظير ما ساهمت به فى دعم الثورات العربية التى خلقت مناخاً جديداً فى المنطقة تتصور أمريكا أنه سوف يكون مناخاً مواتياً لتحقيق خططها السياسية الجديدة