- بقلم: شريف عبدالغني
- منذ 56 دقيقة 51 ثانية
بعيدا عن الهم المصري واللعب بالنار الذي يمارسه المعارضون للرئيس محمد مرسى، والذين هم صبيان في العقول، شيوخ في السن.
سأهرب من هذه الوجوه «العكرة»، وسأكتب عن قطر، الدولة التي أصرّ على أنها النموذج والحلم العربي المنتظر. عندما كتبت من قبل عنها: «كيف أمحوك من أوراق ذاكرتي.. وأنت في القلب مثل النقش في الحجر»، تلقيت كما من الشتائم تنم عن أخلاق أصحابها. إنني ألتمس العذر لبعضهم. هم ممن تربوا على «فوبيا قطر» التي أصيب بها مبارك ونظامه وخدمه وصبيانه وماسحي جوخه في الإعلام، وصدروها للشعب، ضمن خطتهم لتجريف الشخصية المصرية، وجعلها تقبل بلا تفكير أو تحليل كل ما يبثونه فيها من أكاذيب ومزاعم. لكنني أعرف أن البعض الآخر يقومون بمهمة ويتلقون تكليفات من جهات داخلية وخارجية لعرقلة أي تقارب مصري-قطري. أكثرهم استظرافا علق على ما كتبته بشأن النكتة السخيفة التي أطلقها الجنرال المتخندق في أحد «مولات» الخليج، بأن «الإخوان» باعوا قناة السويس لقطر، بأنني من «فلول» مبارك وكنت أشيد دائما بشفيق!!
أنا فعلا أحب قطر وأهلها. ليس لأحد حق التدخل في المشاعر. إنه القلب وما يهوى. لكن بالعقل والهدوء وبعيدا عن نظرة المحب، سأحكي بعضا مما شاهدته مؤخرا في الدوحة، واحكموا بأنفسكم إذا كان هذا البلد يستحق الحب أم لا. لو نحينا جانبا مدى التقدم الذي أحرزته قطر في مختلف المجالات، والمشاريع العملاقة التي أنجزتها، والنهضة العلمية والطبية والعمرانية التي حققتها، ربما لا ينتبه كثيرون إلى الوجه الآخر لقطر، وهو وجه حضاري وثقافي مدهش تسعى القيادة القطرية لترسيخه. الدوحة أصبحت متحفا مفتوحا زاخرا بتحف فنية وتراثية لا مثيل لها. في موقع ساحر على الخليج أنشؤوا متحف الفن الإسلامي. المهندس الأميركي من أصل صيني الذي صمم المبنى زار لهذا الغرض أماكن تاريخية في مصر وسوريا وغيرها من الدول ليخرج برؤية مميزة لهذه التحفة المعمارية. اختار لها جزيرة صناعية بعيدة حتى لا يحجب المنظر الخارجي أي برج عملاق في المستقبل. عندما تدخل قاعات المتحف تشعر أنك عدت لأحضان التاريخ. تشم رائحته من جنبات المكان. ينتابك إحساس بعظمة وقيمة انتمائك لأمة عظيمة أنتجت كل هذا الإبداع. أينما نظرت ستجد قطعا نادرة من الفن الإسلامي من مختلف دول العالم، جمعتها قطر من أكبر المزادات العالمية. داخل المتحف انتابتني غصة في الحلق. عندنا في مصر عشرات الأطنان من الآثار مكدسة في المخازن وتحولت إلى مأوى للفئران لعدم وجود أماكن عرض. صاحب فكرة إنشاء المتحف هو سموالشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر، وقام عدد من وجهاء المجتمع بإهداء المتحف العملاق مقتنيات شخصية حبا منهم للفن والتراث. وعلمت أن سمو الأمير يطلب تقريرا شهريا عن المتحف، وأن سموه أمر بأن يكون دخوله مجانا لمختلف الزائرين من كل الجنسيات لنشر ثقافة الفن وزيارة المتاحف عند الجميع. الأمير يدخل مصاف العظماء بمثل هذا الأعمال، وسيذكر له التاريخ أنه حول بقعة صحراوية إلى مركز عمراني وإشعاع حضاري هو الأبقى أثرا والأكبر تأثيرا.
هناك جانب مهم آخر في قطر يتعلق باحترام الإنسان وتكريمه أيا كان جنسه أو جنسيته أو دينه أو معتقده. لقد كتبت من قبل عن صديقي «خالد سعد» الذي يعمل في قطر منذ نحو 10 سنوات، وأحب هذا البلد كأنه ولد فيه. أتفهم تماما أسباب هذا الحب. إنه تعرض لكثير من المحن والتمييز في مصر خاصة من رجل أعمال شهير، جعلته «يطفش» من مصر كلها ويسافر إلى قطر، وفيها وجد المعاملة المحترمة والإنسانية والتقدير المعنوي والمادي من أصحاب الشركة التي يعمل بها، فضلا عن الاهتمام به ورعايته صحيا بعد مرض ألم به. والأهم عنده أن كل هذا التقدير حدث دون أن يطلب شيئا، بل بمبادرة منهم. يروي خالد ما يحدث في قطر ويحلم أن يجده في مصر، فهو عندما يذهب إلى أي مصلحة حكومية في السابعة صباحا حيث يبدأ الدوام الرسمي، يجد كل موظف على مكتبه. الشيء بالشيء يذكر.. في مصر تبدأ المصالح في العمل لكن الموظفين لا يصلون أبدا في مواعيدهم، أحدهم يتأخر في المواصلات، وآخر ينزل إلى المقهى بعد أن يتناول إفطاره من عربة الفول أسفل العمل، وثالثة مشغولة برضاعة أولادها، ومن يحضر منهم يستحيل أن يكون طلبك عنده، بل دائما عند زميله الغائب. في قطر رسوم أي معاملة لا يأخذها الموظف في يده، بل عبر «فيزا» مخصصة للجهات الحكومية. طبعا في مصر الرسوم مطاطة جدا، ولا تستطيع أن تفرق بينها وبين «الحلاوة» و «الإكرامية» و «الشاي»، وهي الأسماء التي يطلقها المصريون دلعا على الرشاوى.
حب وتقدير خالد لهذا البلد العظيم ازداد بعدما حدث مع شقيقه «طه» الذي يعمل هناك أيضا. سقط الأخ من الدور الثاني، وأصيب بكسور خطيرة في مناطق متعددة، استدعوا له الإسعاف فنقلته فورا إلى المستشفى، ليظل ساعات طويلة يجرون له مختلف أنواع الأشعات، ثم عدة عمليات جراحية، دون أن يسألوا إذا ما كان معه بطاقة صحية أم لا. تكلف علاجه عشرات الألوف من الريالات، تحملها العمل. حينما زرته في المستشفى وجدت حالات مشابهة كثيرة لجنسيات مختلفة من نيبال إلى بنجلاديش ومن الهند إلى باكستان. إنه احترام البشر في أرقى صوره. لا يهمني لونك.. لا يهمني عنوانك.. يهمني الإنسان ولو مالوش عنوان.
لا أريد أن أحكي ما يحدث في مصر لو تعرض أحد لحادث مشابه لا قدر الله، الكل يعلم أنهم لا يستقبلون مريضا في المستشفيات الخاصة دون أن يحصلوا مقدما على مبلغ كبير. أما بالنسبة للمستشفيات الحكومية فالداخل إليها أصلا مفقود! لكل هذا أتقبل تماما، وأتفق مع ما قاله خالد أمام جمع من كبار الزملاء الصحافيين المصريين في الدوحة حينما أتى ليسلم علي: أنا أعشق تراب قطر!!
نقلا عن صحيفة العرب القطرية