الدوحة ـ عاطف الجبالي:
أكد السيد أحمد عبد الرحمن الشيبي، العضو المنتدب وعضو مجلس إدارة هيئة مركز قطر للمال أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال تشكّل جزءا صغيرا فقط من القطاع العالمي لإدارة الأصول رغم النمو السريع لهذا القطاع في المنطقة.
وقال خلال كلمة ألقاها في منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لإدارة الاستثمارات إن حجم الأصول العالمية التي تستثمر في قطاع إدارة الأصول يقدر بأكثر من 100 ترليون دولار، يوجد نصفها تقريباً في الولايات المتحدة الأمريكية، وثلثها في أوروبا ، بينما يتوزّع القسم الباقي بشكل متساو بين جنوب شرق آسيا واليابان وأستراليا.
أضاف:" وفقا لاستطلاع أجراه "مركز الكويت المالي" حول إدارة الأصول والصيرفة، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تحتضن 100 شركة لإدارة الأصول تبلغ الأصول التي تملكها ما يقارب 26.5 مليار دولار، وإذا أردنا أن نقارن هذا الرقم بغيره من الأرقام على الصعيد العالمي ، لا بد أن نذكر أن التقارير أشارت إلى أن "بلاك روك" كانت تملك بتاريخ 30 يونيو 2012 أصولاً تحت إدارتها تقدّر قيمتها بحوالي 356 ترليون دولار".
وأشار إلى أن الوضع في سوق الأسهم في منطقة الشرق الأوسط مشابه لحدّ بعيد، حيث تمثل القيمة الاجمالية للأصول المستثمرة في هذا السوق حوالي 2٪ فقط من القيمة العالمية.، لهذا السبب ندرك أنه لا يزال علينا أن نجتاز أشواطاً طويلة في هذا المجال، وتساءل الشيبي.. لماذا يجب على شركات استثمار الاصول المجيء إلى هذه المنطقة والعمل فيها؟.
أضاف:" هناك إجابة عامة وأخرى أكثر تحديدا لهذا السؤال، اسمحوا لي أن أبدأ بالإجابة العامة، هناك تحول يحدث في الخريطة العالمية، والتي يجري حاليا إعادة رسمها بحيث تظهر وتتطور مراكز جديدة للتأثير حول العالم. فالقوى الاقتصادية تتحرك بعيدا عن الأسواق الكبرى التقليدية في أمريكا الشمالية وأوروبا وتتجه نحو اقتصادات الأسواق الناشئة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ووجودكم هنا اليوم يعد أبرز دليل على هذا التحول التاريخي".
وأوضح أن الوضع الحالي يشبه إعادة التموضع في الاقتصاد العالمي إلى حد كبير العودة إلى أنماط كانت سائدة قبل قرون، عندما بدأت أوروبا بالتوسع إلى الخارج ابتداء من القرن الخامس عشر.
وأشار إلى أن الأثر التراكمي لهذا الاتجاه أصبح الآن كبيرا، وقد برز لنا بشكل خاص عند اندلاع الأزمة المالية في عام 2008 فمن جهة، قيد بطء النمو الاقتصادي والركود من نمو التجارة بين الأسواق التقليدية، كالتجارة بين دول شمال المحيط الأطلسي، ومن جهة أخرى، أدى النمو الاقتصادي السريع نسبيا في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى ازدهار التجارة بين هذه المناطق.
أضاف:" تتلخص أهمية هذه الحقائق بالنسبة لنا اليوم في أن الازدهار في أسواق رأس المال في منطقة معينة يتبع النمو الاقتصادي في تلك المنطقة. ومع ازدهار سوق رأس المال يزداد الطلب على مجموعة واسعة من الخدمات والمنتجات المالية، الأمر الذي يولد بدوره فرصا للاستثمار للمؤسسات المالية ويفتح المجال لنشوء مراكز مالية جديدة تعكس التحول الجغرافي الجديد للنفوذ المالي".
وتابع:" هنا نأتي إلى الإجابة الثانية والتي هي الأكثر تحديدا عن السؤال الذي طرحناه، وهو .. ما الذي يدفع شركات استثمار الأصول للمجيء والتمركز في هذه المنطقة - وبعبارة أخرى، ما الذي تقدمه هذه المنطقة لهذه الشركات؟ .
سوق واعد
قال الشيبي:"تعدّ قطر مثالاً ساطعاً على المراكز المالية الجديدة الناشئة حول العالم، وأعتقد أن أسباباً وجيهة للغاية تقف وراء بروزها كواحدة من هذه المراكز المالية الجديدة، فالاحتياطيات النفطية تظل الضامن الأول للنمو الحاصل فيها، بينما يسهم الاستقرار السياسي والمالي الذي تنعم به، ووقيادة حكومتها الرشيدة التي أظهرت الرؤية والإلهام، في جعل قطر شريكا قويا يمكن الاعتماد عليه في هذا الجزء من العالم الذي يتردد الكثيرون في أحيان عديدة قبل أن يقرروا الاستثمار فيه.
وأوضح أن هذا التردد لا يستند إلى أساس صحيح حيث تقوم عملية التنمية طويلة المدى في قطر على ثروتها من النفط والغاز الطبيعي حيث تملك ثالث أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، وأشار إلي أنه طوال العقد الماضي وحتى عام 2011 نما الاقتصاد السنوي لقطر بسرعة قياسية. أضاف:"هذا النمو الذي كان من بين أهم خصائصه أنه كان نموّاً مستداماً، قد تباطأ مؤخرا، لكن كل التوقعات تشير إلى أنه سيبقى قويا نسبيّاً، لتستمر قطر في كونها الاقتصاد الأسرع في منطقة الخليج التي تعتبر منطقة سريعة النمو اقتصادياً، وذلك يؤهل قطرلأن تصبح ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة بعد المملكة العربية السعودية".
ونوه الشيبي إلى أن الحكومة اعتمدت سياسة رشيدة من خلال وضعها استراتيجية واضحة ومتماسكة وطويلة الأجل، حيث تسعى رؤية قطر الوطنية 2030، إلى تنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد المفرط على النفط والغاز.
وقال إن الخدمات المالية تلعب دورا رئيسيا في إطار هذا التنويع، والاقتصاد القطري يحقق تقدما جيدا نحو الوصول لذلك الهدف، حيث أن قطاعات الخدمات المالية والتأمين والعقارات والأعمال هي الآن من أكبر المساهمين في الاقتصاد القطري بعد النفط والغاز، حيث تسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي ونحن نتوقع نمو هذه النسبة مستقبلا.
وأشار إلى أن مركز قطر للمال يهدف إلى إبراز قطر كوجهة رئيسية لقطاع الخدمات المالية في العالم، وتأسس المركز من قبل حكومة قطر في عام 2005 لدعم تطوير قطاع عالمي المستوى للخدمات المالية في كافة أرجاء البلاد، مبينا أن هيئة مركز قطر للمال هي الذراع الاستراتيجية والتجارية لهذا المركز.
أَضاف أن مركز قطر للمال ليس مركزا للخدمات المالية الخارجية ولا منطقة تجارة حرة، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام المالي المتكامل في قطر. فالتصميم على تحقيق التقدم وكسب ثقة جميع الفرقاء المؤثرين في سوق الخدمات المالية هو في قلب استراتيجية المركز.
قوانين متطورة
وأوضح أحمد عبد الرحمن الشيبي أن القوانين التي تحكم الاستثمار في أسواق المال في قطر قوانين متطورة مستلهمة من القانون العام الإنجليزي، مشيراً إلى أن السلطات القطرية قامت بإنشاء محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات لكي تكون محكمة مستقلة تتولى تسوية النزاعات بين الأطراف المتنازعة بعد أن توافق هذه الأطراف على عرض قضاياها عليها.
أضاف:" بالنسبة لهيئة تنظيم مركز قطر للمال فهي تعدّ هيئة مستقلة تحكمها المبادئ المستندة إلى أفضل الممارسات الدولية. وهناك محكمة التنظيم لمركز قطر للمال التي هي كيان مستقل ينظر في الطعون الصادرة ضد قرارات الهيئات المختلفة في مركز قطر للمال مثل الهيئة التنظيمية لمركز قطر للمال".
وأشار إلى أن سعي الحكومة القطرية لتشكيل هيئة رقابية موحدة تشرف على جميع الخدمات المالية في قطر، بما في ذلك خدمات القطاع المصرفي التجاري، والتأمين، وبورصة قطر، والشركات المرخص لها من قبل مركز قطر للمال يظهر مدى التزام الحكومة القطرية بإيجاد بيئة جذابة لجميع شركات القطاع المالي تحكمها قوانين عصرية متطورة.
وأشار إلى أن النظام الضريبي في قطرهو نظام تنافسي للغاية، فالضريبة المفروضة على الشركات المرخصة في مركز قطر للمال تبلغ حوالي 10 بالمئة فقط من أرباحها التي حققتها جراء نشاطاتها في قطر، منوهاً إلى عدم وجود ضرائب اجتماعية، وشخصية، أو على رؤوس الأموال، وقال:"يمكن للشركات المرخصة في مركز قطر للمال أن ترسل الأرباح التي تحققها بعد دفع الضريبة إلى حيث تريد أو تحويلها إلى أيت عملة أخرى بهدف استثمارها."
وأوضح أن مركز قطر للمال سعي على مدى السنوات السابقة لجعل استراتيجية قطر المالية أكثر تكيفاً مع ظروف السوق المتغيرة، ولذلك فقد سلّط الضوء على فئات الأعمال المالية التي تود الحكومة القطرية تشجيع إقامتها هنا بصفة خاصة، وهي: إدارة الأصول، وإعادة التأمين، والتأمين الذاتي. فهذه هي القطاعات التي تؤمن الحكومة القطرية بأنها قابلة للازدهار والنمو أكثر من سواها.
وأشار إلى أن قطر تكثر فيها الفرص المتاحة أمام مدراء الاستثمار، حيث تتحلى قطر بأحد أعلى معدلات دخل الفرد في العالم، وبها أحد أعلى نسب الأسر الثرية، ولديها معدل إدخار مرتفع جدا يقارب الـ 49 بالمئة، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط الخليجي وتقارب ضعفي المتوسط العالمي، كما تضاعف عدد السكان إلى 1.7 مليون نسمة خلال العقد الماضي وما زال ينمو بصورة سريعة.
أضاف :"سيشكل برنامج البنية التحتية للبلاد فرصا ضخمة لقطاع الخدمات المالية، حيث من المتوقع أن يصل الإنفاق في البنية التحتية إلى 150 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، وقد يتطلب الاستثمار في استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 ضخ رأس مال إضافي يصل إلى 60 مليار دولار، ليتجاوز بذلك الإنفاق المتوقع على البنية التحتية حاجز الـ 200 مليار دولار."
طفرة تمويل
وقال الشيبي أن البنوك تستعد لطفرة في تمويل المشروعات مع الانتهاء من خطط المشاريع وسعي المقاولين لإيجاد التمويل اللازم، وهذا التمويل سيأتي من مصادر محلية ودولية على حد سواء، ويمكن أن يأتي من الشراكة العامة والخاصة أو من إصدارات السندات.
وأشار إلى أن قطر أطلقت سلسلة من المبادرات لتطوير القطاع المالي في البلاد، هدف جزء منها إلى تطوير مجال إدارة الاستثمار، وفي الوقت عينه، اتخذت تدابير أخرى لتعميق وتوسيع أسواق رأس المال، مبيناً أن إصدارات السندات في دولة قطر ساعدت على تشكيل منحنى العائد للديون السيادية، كما تم البدء في برنامج سندات الخزانة، وأدخلت بورصة قطر تدابير جديدة للمساعدة على زيادة الإتاحة والسيولة وكفاءة سوق الأوراق المالية.
وأوضح الشيبي أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك إمكانات هائلة، حيث وصل الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي إلى حوالي 1.4 تريليون دولار العام الماضي، ويتوقع أن يصل إلى 1.5 تريليون دولار في عام 2013، الأمر الذي يضعها من بين أكبر 20 اقتصادا في العالم. وتستقطب هذه الدول عدداً كبيراً من رؤوس الأموال.
وأشار إلى أن القطاع المتنوع لإدارة الأصول برز في دول مجلس التعاون الخليجي على مدى العقد الماضي وأظهر علامات نضج ومتانة على الرغم من الأزمة المالية العالمية، ويبدي المستثمرون في المنطقة انجذابهم نحو الشركات التي لها مكاتب في المنطقة، وهم مستمرون في توقع مستويات خدمات أعلى من أي وقت مضى.
وبين أن إدارة الثروات والأصول وتمويل المشاريع تقدم فرصا جيدة لأعمال التمويل المتوافقة مع الشريعة، وأشار إلى أن السوق العالمية لمجال التمويل الإسلامي لا يزال مجزءا وغير ناضج، إلا أنه بالتأكيد يتوسع بسرعة.
أضاف :"في العام الماضي أشار تقرير إرنست آند يونغ للتمويل الإسلامي أنه بإمكان مديري صناديق الاستثمار الإسلامية اليوم توظيف ما يزيد على 500 مليار دولار، وأضاف التقرير أنه من المتوقع أن ينمو هذا المبلغ بنسبة لا تقل عن 10 إلى 15 بالمئة سنويا، وقد شهد هذا العام زيادة في إصدارات الصكوك الإسلامية، كما أن مجلس الخدمات المالية الإسلامية توقع أن نصف إجمالي الخدمات المالية المقدمة في الخليج ستكون متوافقة مع الشريعة بحلول عام 2015".
وأوضح أن مركز قطر للمال أصدر مؤخراً لوائح جديدة لوضع قوانين عصرية لتنظيم عمل الشركات ذات الأغراض الخاصة والمكاتب العائلية العاملة ضمن المركز أو من خلاله، ويعد هذا الأمر تطورا مهما وفرصة جديدة لقطاع الخدمات المالية في قطر.
أضاف أن مركز قطر للمال يهدف من وراء ذلك إلى إيجاد البيئة التي يمكن للمستثمرين القطريين من خلالها الوصول إلى خدمات ومنتجات على مستوى عالمي دون الحاجة للبحث خارج قطر، فعلى سبيل المثال، سيكون من الممكن تشكيل شركة ذات أغراض خاصة لإصدار الصكوك كما سيكون بإمكان الأسر إدارة شؤونها المالية بفعالية في قطر بدلا من الحاجة إلى إيجاد حل خارج البلاد.
وقال أحمد عبد الرحمن الشيبي :" مركز قطر للمال يعطي الأهمية لقطاعات مالية معينة، لا بد وأن أؤكد بأننا نرحب بمجموعة واسعة من الشركات المالية، فقد رخصت هيئة مركز قطر للمال ل 166 شركة منذ تأسيسها. وخلال الأشهر الـ 12 الماضية أبدت الشركات من مختلف أنحاء العالم اهتمامها بالخدمات التي يقدمها مركز قطر للمال، بما في ذلك الشركات القطرية التي ترى أن لمركز قطر للمال قيمة كبيرة وأنه يمثّل المنصة التي يمكنها من خلالها إجراء أعمالها الإقليمية والدولية."
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي الحالي في قطر يتيح لها تقديم بيئة جاذبة للأعمال بالنسبة لمدراء صناديق الاستثمار والشركات المالية الأخرى، سواء أكانوا من قطر أو المنطقة أو العالم.